الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
360
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
معاملته فليتحمل متاعب الرسالة ويرغب إلى اللّه عونه . [ 1 - 4 ] [ سورة الشرح ( 94 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ( 1 ) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ ( 2 ) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ( 3 ) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ ( 4 ) . استفهام تقريري على النفي . والمقصود التقرير على إثبات المنفي كما تقدم غير مرة . وهذا التقرير مقصود به التذكير لأجل أن يراعي هذه المنة عندما يخالجه ضيق صدر مما يلقاه من أذى قوم يريد صلاحهم وإنقاذهم من النار ورفع شأنهم بين الأمم ، ليدوم على دعوته العظيمة نشيطا غير ذي أسف ولا كمد . والشرح حقيقته : فصل أجزاء اللحم بعضها عن بعض ، ومنه الشريحة للقطعة من اللحم ، والتشريح في الطب ، ويطلق على انفعال النفس بالرضى بالحال المتلبس بها . وظاهر كلام « الأساس » أن هذا إطلاق حقيقي . ولعله راعى كثرة الاستعمال ، أي هو من المجاز الذي يساوي الحقيقة لأن الظاهر أن الشرح الحقيقي خاص بشرح اللحم ، وأن إطلاق الشرح على رضى النفس بالحال أصله استعارة ناشئة عن إطلاق لفظ الضيق وما تصرف منه على الإحساس بالحزن والكمد قال تعالى : وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ [ هود : 12 ] الآية . فجعل إزالة ما في النفس من حزن مثل شرح اللحم وهذا الأنسب بقوله : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ] . وتقدم قوله : قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي في سورة طه [ 25 ] . فالصدر مراد به الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك . وشرح صدره كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية من الكمالات وإعلامه برضى اللّه عنه وبشارته بما سيحصل للدّين الّذي جاء به من النصر . هذا تفسير الآية بما يفيده نظمها واستقلالها عن المرويات الخارجية ، ففسرها ابن عباس بأن اللّه شرح قلبه بالإسلام ، وعن الحسن قال : شرح صدره أن ملئ علما وحكما ، وقال سهل بن عبد اللّه التستري : شرح صدره بنور الرسالة ، وعلى هذا الوجه حمله كثير من المفسرين ونسبه ابن عطية إلى الجمهور . ويجوز أن يجعل الشرح شرحا بدنيا . وروي عن ابن عباس أنه فسر به وهو ظاهر صنيع الترمذي إذ أخرج حديث شقّ الصدر الشريف في تفسير هذه السورة فتكون الآية